آخر الأخبار

الحداثة في الأدب العربي

كاتب الموضوع: عُبَيْدُ الله Oct 5 2005, 01:35



الحداثة في الأدب العربي


تسللت الحداثة الغربية إلى أدبنا ولغتنا العربية وفكرنا ومعتقداتنا وأخلاقياتنا كما تتسلل الأفعى الناعمة الملمس لتقتنص فريستها، أن تشعر الفريسة بها إلا وهي جثة هامدة تزدردها رويدا رويدا، هكذا كان تسلل الحداثة إلى عقول معتنقيها وروادها وسدنتها من أدباء ونقاد ومفكرين على امتداد الوطن العربي

والحداثة كغيرها من المذاهب الفكرية، والتيارات الأدبية التي سبقتها إلى البيئة العربية كالبرناسة، والواقعية، والرمزية، والرومانسية، والوجودية، وجدت لها في فكرنا وأدبنا العربي تربة خصبة، سرعان ما نمت وترعرعت على أيدي روادها العرب، أمثال غالي شكري، وكاهنها الأول والمنظر لها علي أحمد سعيد المعروف " بأدونيس "، وزوجته خالدة سعيد من سوريا، وعبد الله العروي من المغرب، وكمال أبو ديب من فلسطين، وصلاح فضل، وصلاح عبد الصبور من مصر، وعبد الوهاب البياتي من العراق، وعبد العزيز المقالح من اليمن، وحسين مروة من لبنان، ومحمود درويش، وسميح القاسم من فلسطين، ومحمد عفيفي مطر، وأمل دنقل من مصر ، وعبد الله الغذامي، وسعيد السريحي من السعودية، وغيرهم.


وقد أشار غالي شكري في كتابه "الشعر الحديث إلى أين؟" إلى الروافد التي غذت بذرة الحداثة العربية فقال: " كانت هذه المجموعة من الكشوف تفصح عن نظرة تاريخية تستضيء بالماضي لتفسر الحاضر، وتنبئ بالمستقبل. فالمنهج الجدلي، والمادية التاريخية يتعرفان على أصل المجتمع، ثم يفسران أزمة العصر، أو النظام الرأسمالي، ثم يتنبآن بالمجتمع الاشتراكي الذي ينعدم فيه الصراع الطبقي ".


ويقول أدونيس في كتابه التابث والمتحول كما ذكر الدكتور محمد هدارة في مقال له نشر في مجلة الحرس الوطني السعودي: " لا يمكن أن تنهض الحياة العربية، ويبدع الإنسان العربي إذا لم تنهدم البنية التقليدية السائدة للفكر العربي، ويتخلص من المبنى الديني التقليدي الاتباعي ". وهذه الدعوة الصريحة والخبيثة في حد ذاتها دعوة جاهرة للثورة على الدين الإسلامي، والقيم والأخلاق العربية الإسلامية، والتخلص منها، والقضاء عليها.

ثم يقول أدونيس أيضا في مقابلة أجرتها معه مجلة فكر وفن عام 1987 م: " إن القرآن هو خلاصة ثقافة لثقافات قديمة ظهرت قبله . . .
وأنا أتبنى التمييز بين الشريعة والحقيقة، إن الشريعة هي التي تتناول شؤون الظاهر، والحقيقة هي التي يعبرون عنها بالخفي، والمجهول، والباطن، ولذلك فإن اهتمامي بالمجهول ربما يأتي، ويتغير باستمرار، وهذا ما يتناقض مع الدين ".


مما سبق يتضح أن رواد الحداثة لم يكونوا دعاة للتجديد بمفهومه المتعارف عليه في اللغة ولا يعني بالأدب والشعر كما يدعون، وإنما هم دعاة للهدم والتخريب، كما يعلنون عن ذلك صراحة في كتبهم النقدية ودواوينهم الشعرية ومؤلفاتهم بشكل عام. فقد ضل كثير منهم يخلط بين الحداثة كمنهج فكري، يدعو إلى الثورة والتمرد على الموروث والسائد والنمطي بأنواعه المختلفة عقيدة ولغة وأدبا وأخلاقا، وبين المعاصرة والتجديد الذي يدعو إلى تطوير ما هو موجود من ميراث أدبي ولغوي، والإضافة عليه بما يواكب العصر، ويتواءم مع التطور، منطلقا من ذلك الإرث الذي لا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال، فهو عنوان الأمة، ورمز حضارتها، والأمة التي لا موروث لها لا حضارة لها، وجديدها زائف ممجوج.


وقد تسللت الحداثة الغربية إلى فكرنا العربي في غفلة دينية لدى الكثيرين من المثقفين العرب المسلمين، وإن كان القلة منهم هم الذين تنبهوا لهذا الخطر الداهم للغتهم وعقيدتهم وأدبهم على حد سواء، فحاولوا التصدي لها بشتى الطرق والوسائل المتاحة والممكنة، ولكن سدنتها كانوا أسرع إلى التحايل على الجهلة وأنصاف المثقفين ممن يدعون أنهم منفتحون على الفكر الغربي وثقافته، ولا بد أن يواكبوا هذا التطور ويتعاملوا معه بما يقتضيه الواقع، وإن كان واقعا مزيفا لا يخطف بريقه إلا عقول الجهلاء والأتباع.


فأخذ دعاتها على عواتقهم تمرير هذه البدعة الجديدة، وجاهدوا في الوصول إلى أغراضهم الزائفة حتى استطاعوا أن يقنعوا الكثيرين بها باعتبارها دعوة إلى التجديد والمعاصرة تهدف إلى الانتقال بالأدب العربي المتوارث نقلة نوعية جديدة تخلصه مما علق به من سمات الجمود والتخلف ليواكب التطور الحضاري الذي يفرضه واقع العصر الذي نعيشه، والذي تفرضه سنن الحياة. لذلك نجد أدونيس يقول في كتابه الثابت والمتحول ج 3 ص 9:" ومبدأ الحداثة هو الصراع القائم بين السلفية والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام .. وقد تأسس هذا الصراع في أثناء العهدين الأموي والعباسي، حيث نرى تيارين للحداثة: الأول سياسي فكري، ويتمثل من جهة في الحركات الثورية ضد النظام القائم، بدءا من الخوارج، وانتهاء بثورة الزنج، مرورا بالقرامطة، والحركات الثورية المتطرفة، ويتمثل من جهة ثانية في الاعتزال والعقلانية الإلحادية وفي الصوفية على الأخص " .


ثم يواصل أدونيس حديثه قائلا: " هكذا تولدت الحداثة تاريخيا من التفاعل والتصادم بين موقفين وعقليتين في مناخ تغير، ونشأت ظروف وأوضاع جديدة، ومن هنا وصف عدد من مؤسسي الحداثة الشعرية بالخروج " المرجع السابق ج3 ص11 .


ويعتبر أدونيس المنظر الفكري للحداثيين العرب الذي أخذ على عاتقه نبش كتب التراث ليستخرج منها كل شاذ ومنحرف من الشعراء والأدباء والمفكرين من أمثال بشار بن برد وأبي نواس، لأن في شعرهم كثير من المروق على الإسلام، والتشكيك في العقائد، والسخرية منها، والدعوة للانحلال الجنسي كما يذكر عوض القرني في كتابه الحداثة في ميزان الإسلام ص 28. ويواصل القرني حديثه :" وهكذا بعد أن حاول الحداثيون العرب أن يوجدوا لهم جذورا تاريخية عند فساق وزنادقة، وملاحدة العرب في الجاهلية والإسلام، انطلقت سفينتهم غير الموفقة في العصر الحديث تنتقل من طور إلى آخر متجاوزة كل شيء إلى ما هو أسوء منه، فكان أول ملامح انطلاقتهم الحديثة هو استبعاد الدين تماما من معاييرهم وموازينهم بل مصادرهم، إلا أن يكون ضمن ما يسمونه بالخرافة، أو الأسطورة، ويستشهد على صحة قوله بما نقله عن الكاتبة الحداثية خالدة سعيد في مجلة فصول بعنوان الملامح الفكرية للحداثة حيث تقول: " إن التوجهات الأساسية لمفكري العشرينات تقدم خطوطا عريضة تسمح بالقول إن البداية الحقيقية للحداثة من حيث هي حركة فكرية شاملة، قد انطلقت يوم ذاك، فقد مثل فكر الرواد الأوائل قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين: العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنساني، ومن ثم تطوري، فالحقيقة عند رائد كجبران، أو طه حسين لا تلمس بالعقل، بل تلمس بالاستبصار عند جبران، والبحث المنهجي العقلاني عند طه حسين " الحداثة في ميزان الإسلام ص 29، 30 عوض القرني.


لقد بات من الضروري أن يعمل على كشف الآثار الخبيثة التي خلفها هذا المذهب، على ثقافتنا وهويتنا، حتى أصبح الدارس لتراث الأمة الأدبي والسياسي والتاريخي لا يجد إلا المراجع التي سودها المستشرقون النصارى واليهود وتلامذتهم العلمانيون الحداثيون، على كثرة افتراءاتهم وشبهاتهم.


لذا ومن أجل نهضة شاملة، يجب على كل من يستطيع أن يفهم غيره المسارعة إلى توضيح ما في هذا المذهب المستورد من الأوربيين الذين ثاروا على دينهم، من خطر يهددنا في الدنيا والآخرة، كما يجب على العلماء والأساتذة أن ينبهوا على ما بث - في غفلة من الرقابة- من سموم إلى مقرراتنا التعليمية، من خلال الأيام الدراسية والندوات والبحوث الجامعية.

ليست هناك تعليقات

إذا لم تجد عما تبحث عنه اكتبه بعد التعليق وستجده مرة أخرى إن شاء الله و تأكد ان تعليقك يهمنا...